الأحد، 12 أبريل، 2009

تاكسى وجرار......قصة قصيرة

كان الرجل قد وصل الى العاصمة قادما من قريته فى الشمال,وكانت الشمس تغدق من حرارتها على الجميع ركاب ومترجلين.
وقف الرجل ذو اللحية االمجذلة والشارب الحليق وهو يحاول اعادة هندمة قميصه القديم الذى كان يدخره لمثل تلك المناسبات ورفع بنطاله الذى تزحزح بفعل السفر الطويل وظن انه بذلك قد رجع الى كامل أناقته !
ثم قرر استقلال"تاكسى" حتى ينجو من الزحام ويتجنب السباحة فى انهار العرق المنهمرة داخل المواصلات العامة الناتجة عن كرم (الشمس ) الذائد.
وبسهولة غير معتاده حصل الرجل على مبتغاه من ركوبة مريحة مع سائق شاب وظن انه قد ارتاح....ولكن المعاناه قد بدأت للتو.
بعد لحظات ضغط الشاب الذى يحتل مقعد القيادة "زرا" كان امامه ليصدر ضجيجا أسماه هو بعد ذلك غناء...وتعجب الرجل لما يسمع فكان هناك صخبا هائلا كالذى اعتاد سماعه من الآلات الزراعية فى قريته ومن خلفية هذا الضجيج كان ينبعث صوتا لرجل وكانه يستغيث....ويجهر بكلمات من نوعية....." انا عامل دماغ تمام آآم آآم آآآآم......مش بانجو ولا برشام شآآم شآآم شآآآآم) و ( البانجو مش بتاعى)...الخ
لم يستطع الرجل ان يتحمل تلك " السلطنة " الاجبارية وطلب من الشاب فى منتهى الهدوء -والذى لم يكن قد اكتشف ملامحه بعد...وهى ملامح تثير الريبة والرعب,فقد كان ذو شفتان غليظتان فى حالة خصام كل منها فى اتجاه وبشرته بدت وكأنها مرتعا للبثور والثقوب ناهيك عن قصة شعره الشبيهة بخراف العيد- أن يرحمه من تلك الاصوات الصادرة من جهاز الكاسيت وأن يشغل اى شىء آخر غير هذا (المولد).
نظر اليه الشاب نظرة ديناميكية وكأنه معتادا عليها ورد بكلمات قليلة( مش عاجبك انزل ) أثارت تلك الكلمات حفيظة الرجل وبدأ التحضير لمعركة كلامية يبتغى فيها الحسنيين...اما ان يقنع الشاب بتفاهة مايعتنق من أمزجة واما ان يضطر للنزول.
وحقق الرجل نصرا مبدأيا حين نجح فى اقناع الشاب بمواصلة السير والمناقشة اثناء الطريق,
وبدأت المعركة التى تسلح طرفاها بكل ما يملك من موروثات شعبية وظروف بيئية وصفات مجتمعية متناقضة وانتهت المناقشة حينما وصلا الى المكان المقصود ونزل الرجل وهو يودع الشاب وداع الاحباب.
أتم الرجل ماكان قد جاء لأجله من قريته وبدأ فى رحلة العودة من جديد ولوح بيده لاول " تاكسى " واستقله ..وهى لحظات حتى تكرر المشهد....نفس الــ"زر".....نفس الضجيج....نفس الكلمات., وهذا السائق...نفس الملامح تقريبا الا تغييرا طفيف...ولكن الاختلاف هذة المرة كان فى الرجل نفسه فلم ينطق ولم يجادل ولم يبد اى امتعاض حتى بينه وبين نفسه. وصل الى المحطة واستقل القطار ورجع الى قريته.
وبعد ان قضى ليلته فى سريره استيقظ مبكرا كالعاده واستقل " جراره" الزراعى المذود بجهاز كاسيت..ودس يده فى ( الصديرى) وأخرجها بشريط وضعه داخل الكاسيت. ... وانطلق يحرث الأرض والضجيج يملأ المكان..."أنا عامل دماغ تمام آآآم آآآم آآآآآم مش بانجو ولا برشام شآآآم شآآآم شآآآآآم"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق